Image Image Image Image Image

Faisel - 11

Untitled-Scanned-28 Untitled-Scanned-29

Faisel -1

Faisel - 17 Faisel - 18 Faisel - 19 Faisel - 20 Faisel - 22 Faisel - 23

علم الإجتماع ، كعلم في بلادنا العربية لم يكن له تارخ طويل ، بل تأسس في عام 1908 في الجامعة المصرية في القاهرة . ومع مرور اكثر من قرن على نشوء هذا العلم وإنتشاره اليوم داخل الجمامعات العربية التي بلغ عددها اكثر من مئة جامعة وآلاف الكتب وعشرات الألوف من الدراسات في هذا الفرع الهام من فروع المعرفة، لكننا لا نحصد منه أكثر من ثلاثين كتاباً وعشرات معدودة من الدراسات التي تهتم بعلم إجتماع الفن مع الأسف ، ولهذه القضية أسباب عديدة ليس هذامكان بحثها.

فكان المهتمون بعلم إجتماع الفن ، اما باحثون إجتماعيون يهوَون الفن أو فنانون ومشتغلون في قضايا الفن يدركون أثر القضايا الإجتماعية على الفن نفسه. فلم يكن لدينا إختصاصيون في هذا المجال، كما ليس لدينا إختصاصيون في علم الجمال او النقد الفني عموماً، وأقصد بذلك من الناحية الأكاديمية والمنهجية بالضبط .
كان اول من أدرك أهمية العلاقة بين الفن والمجتمع في أوربا ، هو المفكر النابوليتاني – في إيطاليا قبل توحدها – جيامباتيستا فيكو ، في بداية القرن الثامن عشر ويرى فيكو ان الثقافة هي روح الشعب او المجتمع التي تنفخ فيه الحياة ، والفن هوالأشد تعبيراً عن هذه الروح ، ولهذا ينظر الى الإنتاج الفني كإنعكاس عن اعراف وتقاليد المجموعة وليس تعبيراً عن ذات الفنان وحدها. لأنهم يعبرون عن رؤية المجموعة التي ينتمون إليها ويتقيدون بالعقلية والمعايير نفسها ، ولهذا كان فيكو يعتقد ان هوميروس شخصية وهمية وحكاياته هي نسيج من حكايات المجتمع الإغريقي خلال فترات مختلفة ، نسبت الى هذه الشخصية الوهمية، لأن تلك الحكايات تتكلم عن عادات وتقاليد وأفكار ومعتقدات مختلفة نسبياً .
وفي فرنسا ، كانت مدام دي ستايل ، السويسرية التي عاشت في باريس من اهم من كتب عن علاقة الفن بالمجتمع ، حيث ربطت بين التقاليد والدين والنظام القانوني والأدب . ثم ظهر هيوبولت تين ، الذي إهتم بالمسرح وكان مخرجاً مسرحياً أيضاً والذي يعتبر مؤسس علم إجتماع الأدب الحديث ، إذ حلل الأعمال الفنية ليست كما كانت توصف وكانها نزوات فردية لأشخاص منعزلين في أبراجهم العالية، بل ترجمة للتقاليد والعادات السائدة في المجتمع.
وفي المانيا ظهر الفيلسوف هيردر ذو الإتجاه الرومانسي، الذي فسر ظهور فن على حساب فن آخر في هذه الحقبة او تلك ، بناءً على حاجات المتمع نفسه، ومن ثم جاء الفيلسوف هيجل ، الذي تحدث أيضاً في ” ظاهرية الروح وقانون الحق ” عن كيفية ظهور روح المجتمع من خلال الأعمال الفنية وغيرها من الإستنتاجات . هناك العديد من الأسماء اللامعة في الفكر الإجتماعي الغربي تتكلم عن علاقة الثقافة بالمجتمع وضمناً طبعاً الفن ، مثل ، كارل ماركس ، فرويد ، ماكس فيبر جيورجي لوكاتش ، ثيودور ادرنو ، وأخرون لايسع المجال لذكرهم هنا.
أن مايسمى تكنولوجيا المجتمع ، قد تفسر لنا كيفية ظهور الإنتاج الفني وتميزه عن بقية المنتجات المشابهة ولكنها لاتعتبر فنية. أي ان قيمتها اقل من قيمة العمل الفني ، كانت موسيقى الجاز الأمريكية الى وقت قريب غير محسوبة على الفن الحقيقي، لكنها شقت طريقها الى الصالات الراقية بقوة بعد ان تبدلت مراكز القوى الثقافية والإجتماعية وتم الإعتراف بالحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين ( ؟ ) . لقد توزعت وتفرعت الأعمال وتخصصت فيها جهات مختلفة. وأصبح للفن إقتصاد خاص به وصناعة مختلفة عن بقية الصناعات ، وظهرت المتاحف وقاعات العرض والمؤسسات الفنية ودور الطباعة والنشر الفني وأصبحت الساحات والميادين وجدران الأبنية العالية والعمارات الشاهقة ، اماكن تحتلها الأعمال الفنية وظهر مؤرخو الفن وفلاسفته ومنظريه وكتاب الأعمدة والمقالات والملاحق الصحفية التي تختص بالمواضيع الفنية كما برزت الحاجة الى الأسواق الفنية والمزادات الدولية ومعارض السنتين والثلاث سنوات وغيرها وهذا كله يعكس اثر المجتمع ودوره في تأثيره على الفن وكذلك تأثير الفن على المجتمع أيضاً.
كان الفنان في السابق اجير ، يعتمد على الحاكم او المعبد أو الإقطاعي على رزقه ولم يكن يدعى فناناً اصلاً. اليوم اصبح الفنان حراً نسبياً وغير خاضع مباشرة لجهة تفرض عليه ما تريد وهناك هامش من الاستقلالية يتمتع بها. وصار ينتج اعمالاً لا تتطلب خضوعاً مباشراً للذوق العام وإنما اصبح دوره احياناً أستفزازياً. فآنسات افنيون لبيكاسو ( 1907 ) كان زلزالاً جمالياً ومفاهيمياً في الفن الأوربي كذلك مبولة ( النافورة ) مارسيل دوشامب ( 1917 )، حيث إستغنى الفنان عن حرفته وأخذ يستخدم المواد الجاهزة لتشكيل أعماله الفنية الخاصة به .
ماذا عنا ؟
في العراق إرتبط الفن منذ البداية بالمفاهيم الاوربية، لأن من درسوا الفن كانوا قد تتلمذوا على يد أساتذة غربيين ، كما تأسست المعاهد والمدارس وفق المنهج الأوربي الحديث، ولهذا كانت المفاهيم التي وصلتنا هي مفاهيم ما بعد الإنطباعية، التي لم تعير قضايا المجتمع اهمية قصوى، ولكن الفنان العراقي بدأ شيئاً فشيئاً يلتفت الى مجتمعه ومشاكله . بداً هذا مع الفنانين جواد سليم ورشاد حاتم وتعمق جداً بعودة الفنان محمود صبري من بريطانيا ودخوله معترك النشاط الفني والفكري والنظري مع مجايليه . لهذا كان الأستاذ رفعة على حق عندما قسم الفن العراقي قبل محمود وبعد محمود، في كتابه الهام (الأخيضر والقصر البلوري ).
لم تنشأ لدينا قاعة عرض خاصة بالفن إلا بعد إفتتاح جمعية الفنانين العراقيين رسمياً بعد ثورة 14 تموز عام 1958، ، لأن تأسيسها عام 1956 لم يكن مرافقاً لبناية خاصة بها، وكان النادي الأولمبي هو المكان الذي كان يقام عليه المعارض الفنية ، ثم جاءت قاعة كولبنكيان عام 1964، و صالة آيا للفنان المعماري رفعة الجادرجي في عام 1965 وبعدها في السبعينات ظهرت صالة الثلاث للفنانين ضياء العزاوي وإتحاد كريم وإسماعيل فتاح الترك في 1973 وبعدها صالة الأربعة للفنانين عزيز النائب ومحمد الشيخلي وزهير النعيمي وفيصل لعيبي ، في نفس العام أيضاً
كان محمود من الذين إعتبروا الفن كمرآة للمجتمع وكذلك كلغة تعبر عن موقف الفنان من قضايا مجتمعه ولم يكن جواد بعيداً عن هذا ولا فائق حسن او شاكر حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت وغيرهم . لكن التنظير جاء بشكل مقصود وممنهج في البداية مع جماعة بغداد للفن الحديث، في بيانَيها الأول والثاني. ثم تلا ذلك بيانات الفنان شاكر حسن التأملية وذات الصبغة الدينية المحافظة والمغلفة بقناع صوفي ظاهرياً ، وقد تميز فكره بالتلفيقية وحشر الأفكار الأكثر حداثة مع فكر إبن تيمية وإبن حنبل فيما يتعلق بحرمة التمثيل البشري في الفن مع حشو غير منطقي للعبارات الصوفية والعرفانية . وقد وصل به الحال الى حد عدم مصافحة او ملامسة المرأة واقعياً. بينما كانت جماعة بغداد تدعو الى ربط الحداثة بالتراث مع التجربة الواقعية المتحققة للفن العراقي المعاصر، وبعدمجيء البعث الى السلطة في إنقلابه الثاني في 17 تموز عام 1968 . وظهور افكار تدعو الى فن عربي والدعوة الى فلسفة جمال بعثية، حدث إقتراب الفنان شاكر من هذا التوجه والتأثر بمثل هذه التفسيرات ، فظهرت ( جماعة البعد الواحد) التي تم دعمها وتبني أفكارها والدعوة الى معرض عربي شامل أقيم في بغداد جمع معظم الفنانين الذين تعاملوا مع الحرف العربي ، من قبل السلطة ووزارة الثقافة والإعلام في حينها وبتشجيع ومساهمة فعالة من قبل الشاعر شفيق الكمالي، الذي كان قد نشط في زياراته للمثقفين والفنانين ، لتجميعهم حول السلطة الجديدة . وقد توسعت هذه الحركة وصار لها مؤيدون في معظم البلاد العربية، لكنها إضمحلت أيضاً لتغيير التوجهات الثقافية للنظام العراقي وتحولها الى فن عبادة الفرد.
اما محمود صبري ، فقد أكد على الجانب الإجتماعي وعمل على تفسيره نظرياً من خلال إعتماده على الفكر الماركسي ودور الفن في الحياة الإجتماعية، لكنه بعد فترة ، غير إتجاه تفكيره و بنفس المنطلقات الماركسية والمادية ، نحو فهم جديد للفن ، من خلال ( واقعية الكم ) التي اعلن عنها في براغ – محل إقامته وقت ذاك – و هي دعوة لفن جديد هو فن المستقبل كما كان يدعوه ، وقد إكد فيه على حركة الذرة الداخلية في عناصر الطبيعة الـ 92 معطياً لها ألوان محددة .
كان محمود صبري وشاكر حسن قد توصلا معاً الى إلغاء الإنسان او الشكل الخارجي للعالم، ولكن من وجهات نظر متناقضة وأهداف مختلفة.
ولكن الفنان والمهندس المعماري رفعة الجادرجي ، قدم لنا تفسيره النظري والفلسفي لدور الفن من وجهة نظر أقرب الى سايكولوجية الإنسان عموماً ،ومن منطلق الشعور بعبثية الوجود نفسه. عكس الفهم الذي يمتلك شيئاً من التفاؤل الروحي لدى شاكر حسن والمادي لدى محمود صبري. لأن رفعة الجادرجي ربط العملية الجمالية بتحقيق التوازن الداخلي والتمتع باللحظة المعاشة دون التفكير بأهداف أبعد من ذلك ، معتمداً على المراحل الثلاث التي يمر بها الإنسان :
مرحلة تلبية الحاجات المعاشية.
مرحلة إثبات الذات .
مرحلة التمتع بمباهج الحرفة أو الفن والشعور الجمالي الذي يصاحب هذه الحالة.
علينا أن لا ننسى الفنان جميل حمودي في هذه العجالة، لكنه مع الأسف لم يترك لنا نصاً فكرياً أو جمالياً مكتوباً نستطيع العودة له في حالتنا هذه، وربما لديه بعض النصوص التي لم أطلع عليها مع الأسف . وأترك هذا الأمر لغيري ومن هو أقدر مني في تناول مثل هذه الأمور. مع الشكر الجزيل .
الفنان التشكيلي العراقي
فيصل لعيبي صاحي
29 حزيران 2013 لندن

Faisel - 5

Faisel - 4

Faisel - 2

Scroll to Top

To Top

Press

24

Jul
2013

No Comments

In Press

By Faisel Laibi

علم إجتماع الفن والفكر الجمالي في الفن العراقي المعاصر

On 24, Jul 2013 | No Comments | In Press | By Faisel Laibi

علم الإجتماع ، كعلم في بلادنا العربية لم يكن له تارخ طويل ، بل تأسس في عام 1908 في الجامعة المصرية في القاهرة . ومع مرور اكثر من قرن على نشوء هذا العلم وإنتشاره اليوم داخل الجمامعات العربية التي بلغ عددها اكثر من مئة جامعة وآلاف الكتب وعشرات الألوف من الدراسات في هذا الفرع الهام من فروع المعرفة، لكننا لا نحصد منه أكثر من ثلاثين كتاباً وعشرات معدودة من الدراسات التي تهتم بعلم إجتماع الفن مع الأسف ، ولهذه القضية أسباب عديدة ليس هذامكان بحثها.

فكان المهتمون بعلم إجتماع الفن ، اما باحثون إجتماعيون يهوَون الفن أو فنانون ومشتغلون في قضايا الفن يدركون أثر القضايا الإجتماعية على الفن نفسه. فلم يكن لدينا إختصاصيون في هذا المجال، كما ليس لدينا إختصاصيون في علم الجمال او النقد الفني عموماً، وأقصد بذلك من الناحية الأكاديمية والمنهجية بالضبط .
كان اول من أدرك أهمية العلاقة بين الفن والمجتمع في أوربا ، هو المفكر النابوليتاني – في إيطاليا قبل توحدها – جيامباتيستا فيكو ، في بداية القرن الثامن عشر ويرى فيكو ان الثقافة هي روح الشعب او المجتمع التي تنفخ فيه الحياة ، والفن هوالأشد تعبيراً عن هذه الروح ، ولهذا ينظر الى الإنتاج الفني كإنعكاس عن اعراف وتقاليد المجموعة وليس تعبيراً عن ذات الفنان وحدها. لأنهم يعبرون عن رؤية المجموعة التي ينتمون إليها ويتقيدون بالعقلية والمعايير نفسها ، ولهذا كان فيكو يعتقد ان هوميروس شخصية وهمية وحكاياته هي نسيج من حكايات المجتمع الإغريقي خلال فترات مختلفة ، نسبت الى هذه الشخصية الوهمية، لأن تلك الحكايات تتكلم عن عادات وتقاليد وأفكار ومعتقدات مختلفة نسبياً .
وفي فرنسا ، كانت مدام دي ستايل ، السويسرية التي عاشت في باريس من اهم من كتب عن علاقة الفن بالمجتمع ، حيث ربطت بين التقاليد والدين والنظام القانوني والأدب . ثم ظهر هيوبولت تين ، الذي إهتم بالمسرح وكان مخرجاً مسرحياً أيضاً والذي يعتبر مؤسس علم إجتماع الأدب الحديث ، إذ حلل الأعمال الفنية ليست كما كانت توصف وكانها نزوات فردية لأشخاص منعزلين في أبراجهم العالية، بل ترجمة للتقاليد والعادات السائدة في المجتمع.
وفي المانيا ظهر الفيلسوف هيردر ذو الإتجاه الرومانسي، الذي فسر ظهور فن على حساب فن آخر في هذه الحقبة او تلك ، بناءً على حاجات المتمع نفسه، ومن ثم جاء الفيلسوف هيجل ، الذي تحدث أيضاً في ” ظاهرية الروح وقانون الحق ” عن كيفية ظهور روح المجتمع من خلال الأعمال الفنية وغيرها من الإستنتاجات . هناك العديد من الأسماء اللامعة في الفكر الإجتماعي الغربي تتكلم عن علاقة الثقافة بالمجتمع وضمناً طبعاً الفن ، مثل ، كارل ماركس ، فرويد ، ماكس فيبر جيورجي لوكاتش ، ثيودور ادرنو ، وأخرون لايسع المجال لذكرهم هنا.
أن مايسمى تكنولوجيا المجتمع ، قد تفسر لنا كيفية ظهور الإنتاج الفني وتميزه عن بقية المنتجات المشابهة ولكنها لاتعتبر فنية. أي ان قيمتها اقل من قيمة العمل الفني ، كانت موسيقى الجاز الأمريكية الى وقت قريب غير محسوبة على الفن الحقيقي، لكنها شقت طريقها الى الصالات الراقية بقوة بعد ان تبدلت مراكز القوى الثقافية والإجتماعية وتم الإعتراف بالحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين ( ؟ ) . لقد توزعت وتفرعت الأعمال وتخصصت فيها جهات مختلفة. وأصبح للفن إقتصاد خاص به وصناعة مختلفة عن بقية الصناعات ، وظهرت المتاحف وقاعات العرض والمؤسسات الفنية ودور الطباعة والنشر الفني وأصبحت الساحات والميادين وجدران الأبنية العالية والعمارات الشاهقة ، اماكن تحتلها الأعمال الفنية وظهر مؤرخو الفن وفلاسفته ومنظريه وكتاب الأعمدة والمقالات والملاحق الصحفية التي تختص بالمواضيع الفنية كما برزت الحاجة الى الأسواق الفنية والمزادات الدولية ومعارض السنتين والثلاث سنوات وغيرها وهذا كله يعكس اثر المجتمع ودوره في تأثيره على الفن وكذلك تأثير الفن على المجتمع أيضاً.
كان الفنان في السابق اجير ، يعتمد على الحاكم او المعبد أو الإقطاعي على رزقه ولم يكن يدعى فناناً اصلاً. اليوم اصبح الفنان حراً نسبياً وغير خاضع مباشرة لجهة تفرض عليه ما تريد وهناك هامش من الاستقلالية يتمتع بها. وصار ينتج اعمالاً لا تتطلب خضوعاً مباشراً للذوق العام وإنما اصبح دوره احياناً أستفزازياً. فآنسات افنيون لبيكاسو ( 1907 ) كان زلزالاً جمالياً ومفاهيمياً في الفن الأوربي كذلك مبولة ( النافورة ) مارسيل دوشامب ( 1917 )، حيث إستغنى الفنان عن حرفته وأخذ يستخدم المواد الجاهزة لتشكيل أعماله الفنية الخاصة به .
ماذا عنا ؟
في العراق إرتبط الفن منذ البداية بالمفاهيم الاوربية، لأن من درسوا الفن كانوا قد تتلمذوا على يد أساتذة غربيين ، كما تأسست المعاهد والمدارس وفق المنهج الأوربي الحديث، ولهذا كانت المفاهيم التي وصلتنا هي مفاهيم ما بعد الإنطباعية، التي لم تعير قضايا المجتمع اهمية قصوى، ولكن الفنان العراقي بدأ شيئاً فشيئاً يلتفت الى مجتمعه ومشاكله . بداً هذا مع الفنانين جواد سليم ورشاد حاتم وتعمق جداً بعودة الفنان محمود صبري من بريطانيا ودخوله معترك النشاط الفني والفكري والنظري مع مجايليه . لهذا كان الأستاذ رفعة على حق عندما قسم الفن العراقي قبل محمود وبعد محمود، في كتابه الهام (الأخيضر والقصر البلوري ).
لم تنشأ لدينا قاعة عرض خاصة بالفن إلا بعد إفتتاح جمعية الفنانين العراقيين رسمياً بعد ثورة 14 تموز عام 1958، ، لأن تأسيسها عام 1956 لم يكن مرافقاً لبناية خاصة بها، وكان النادي الأولمبي هو المكان الذي كان يقام عليه المعارض الفنية ، ثم جاءت قاعة كولبنكيان عام 1964، و صالة آيا للفنان المعماري رفعة الجادرجي في عام 1965 وبعدها في السبعينات ظهرت صالة الثلاث للفنانين ضياء العزاوي وإتحاد كريم وإسماعيل فتاح الترك في 1973 وبعدها صالة الأربعة للفنانين عزيز النائب ومحمد الشيخلي وزهير النعيمي وفيصل لعيبي ، في نفس العام أيضاً
كان محمود من الذين إعتبروا الفن كمرآة للمجتمع وكذلك كلغة تعبر عن موقف الفنان من قضايا مجتمعه ولم يكن جواد بعيداً عن هذا ولا فائق حسن او شاكر حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت وغيرهم . لكن التنظير جاء بشكل مقصود وممنهج في البداية مع جماعة بغداد للفن الحديث، في بيانَيها الأول والثاني. ثم تلا ذلك بيانات الفنان شاكر حسن التأملية وذات الصبغة الدينية المحافظة والمغلفة بقناع صوفي ظاهرياً ، وقد تميز فكره بالتلفيقية وحشر الأفكار الأكثر حداثة مع فكر إبن تيمية وإبن حنبل فيما يتعلق بحرمة التمثيل البشري في الفن مع حشو غير منطقي للعبارات الصوفية والعرفانية . وقد وصل به الحال الى حد عدم مصافحة او ملامسة المرأة واقعياً. بينما كانت جماعة بغداد تدعو الى ربط الحداثة بالتراث مع التجربة الواقعية المتحققة للفن العراقي المعاصر، وبعدمجيء البعث الى السلطة في إنقلابه الثاني في 17 تموز عام 1968 . وظهور افكار تدعو الى فن عربي والدعوة الى فلسفة جمال بعثية، حدث إقتراب الفنان شاكر من هذا التوجه والتأثر بمثل هذه التفسيرات ، فظهرت ( جماعة البعد الواحد) التي تم دعمها وتبني أفكارها والدعوة الى معرض عربي شامل أقيم في بغداد جمع معظم الفنانين الذين تعاملوا مع الحرف العربي ، من قبل السلطة ووزارة الثقافة والإعلام في حينها وبتشجيع ومساهمة فعالة من قبل الشاعر شفيق الكمالي، الذي كان قد نشط في زياراته للمثقفين والفنانين ، لتجميعهم حول السلطة الجديدة . وقد توسعت هذه الحركة وصار لها مؤيدون في معظم البلاد العربية، لكنها إضمحلت أيضاً لتغيير التوجهات الثقافية للنظام العراقي وتحولها الى فن عبادة الفرد.
اما محمود صبري ، فقد أكد على الجانب الإجتماعي وعمل على تفسيره نظرياً من خلال إعتماده على الفكر الماركسي ودور الفن في الحياة الإجتماعية، لكنه بعد فترة ، غير إتجاه تفكيره و بنفس المنطلقات الماركسية والمادية ، نحو فهم جديد للفن ، من خلال ( واقعية الكم ) التي اعلن عنها في براغ – محل إقامته وقت ذاك – و هي دعوة لفن جديد هو فن المستقبل كما كان يدعوه ، وقد إكد فيه على حركة الذرة الداخلية في عناصر الطبيعة الـ 92 معطياً لها ألوان محددة .
كان محمود صبري وشاكر حسن قد توصلا معاً الى إلغاء الإنسان او الشكل الخارجي للعالم، ولكن من وجهات نظر متناقضة وأهداف مختلفة.
ولكن الفنان والمهندس المعماري رفعة الجادرجي ، قدم لنا تفسيره النظري والفلسفي لدور الفن من وجهة نظر أقرب الى سايكولوجية الإنسان عموماً ،ومن منطلق الشعور بعبثية الوجود نفسه. عكس الفهم الذي يمتلك شيئاً من التفاؤل الروحي لدى شاكر حسن والمادي لدى محمود صبري. لأن رفعة الجادرجي ربط العملية الجمالية بتحقيق التوازن الداخلي والتمتع باللحظة المعاشة دون التفكير بأهداف أبعد من ذلك ، معتمداً على المراحل الثلاث التي يمر بها الإنسان :
مرحلة تلبية الحاجات المعاشية.
مرحلة إثبات الذات .
مرحلة التمتع بمباهج الحرفة أو الفن والشعور الجمالي الذي يصاحب هذه الحالة.
علينا أن لا ننسى الفنان جميل حمودي في هذه العجالة، لكنه مع الأسف لم يترك لنا نصاً فكرياً أو جمالياً مكتوباً نستطيع العودة له في حالتنا هذه، وربما لديه بعض النصوص التي لم أطلع عليها مع الأسف . وأترك هذا الأمر لغيري ومن هو أقدر مني في تناول مثل هذه الأمور. مع الشكر الجزيل .
الفنان التشكيلي العراقي
فيصل لعيبي صاحي
29 حزيران 2013 لندن

Submit a Comment